مجد الدين ابن الأثير
358
المختار من مناقب الأخيار
يا هذا ، واللّه ما هو لي ، وإنّما هو لرفيق لي ، وقد ذهب إلى المسجد ، ولعلّه أن يجيء الآن . قال : فإنّي لأكلّمه إذ طلع الشيخ فقمت إليه ، فقلت : إنّي قد بعت الحمار بثلاثين دينارا . قال : أما إنّك لو كنت استزدته لزادك إن شاء اللّه ، وأمّا إذ بعت فأوجز « 1 » . فأخذت من الرجل ثلاثين دينارا ، ودفعت الحمار إليه ، وجئت بالدّنانير ، فقلت : ما أصنع بها ؟ قال : هي لك ، فأنفقها . فقلت : لا حاجة لي بها . قال : فألقها في الجراب . قال : فألقيتها في الجراب . قال : فطلبنا منزلا بالأبطح فنزلناه . فقال : ابغني دواة وقرطاسا . فأتيته بدواة وقرطاس ، قال : فكتب كتابين ثم شدّهما ودفع أحدهما إليّ ، وقال : انطلق به إلى عبّاد بن عبّاد وهو نازل في موضع كذا وكذا ، فادفعه إليه وأقرئه منّي السلام ، ومن حضره من المسلمين . ثم دفع الآخر إليّ وقال : ليكن هذا معك ، فإذا كان يوم النّحر فاقرأه إن شاء اللّه . قال : فأخذت الكتاب فأتيت به عبّاد بن عبّاد وهو قاعد يحدّث ، وعنده خلق كثير ، فسلّمت عليه ، ثم قلت : رحمك اللّه ، كتاب بعض إخوانك إليك . فأخذ الكتاب فإذا فيه : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، أمّا بعد يا عبّاد ، فإنّي أحذّرك الفقر يوم يحتاج الناس إلى الذّخر ، فإنّ فقر الآخرة لا يسدّه غنى ، وإنّ مصاب الآخرة لا تجبر مصيبته أبدا . وأنا رجل من إخوانك وأنا ميّت الساعة إن شاء اللّه ، فاحضرني لتليني وتولّى الصلاة عليّ وإدخالي حفرتي ، وأستودعك اللّه وجميع المسلمين ، وأقرأ على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وعليكم جميعا السلام ورحمة اللّه وبركاته . قال : فلمّا قرأ عبّاد الكتاب ، قال : يا هذا ، أين هذا الرجل ؟ قلت : بالأبطح . قال : فمريض هو ؟ قلت : لا ، تركته الساعة صحيحا . قال : فقام ،
--> ( 1 ) في ( ب ) : « فأوجر » .